الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
102
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لقد حددت عقوبتان لأولئك الذين يعرضون عن ذكر الله : إحداهما : المعيشة الضنك في هذه الدنيا ، والتي أشير إليها في الملاحظة السابقة ، والأخرى : العمى في الآخرة . وقلنا مرارا : إن عالم الآخرة هو تجسم أوسع لعالم الدنيا ، وكل حقائق هذا العالم تتجسد هناك بما يناسبها هنا ، فأولئك الذين عميت بصيرتهم عن مشاهدة الحقائق في هذه الدنيا ، ستعمى هناك عيون أجسامهم ، ولذلك فإنهم حين يتساءلون بأنا كنا قبل هذا صحيحي البصر ، فلماذا حشرنا عميا ؟ يقال لهم : لأنكم قد نسيتم أيات الله ، وهذه الحالة انعكاس لتلك الحالة . وهنا ينقدح سؤال ، وهو : إن ظاهر بعض الآيات القرآنية هو أن كل الناس يبصرون في يوم القيامة ، ويقال لهم : اقرؤوا صحيفة أعمالكم اقرأ كتابك . . . ( 1 ) ، أو أن المجرمين يرون نار جهنم بأعينهم : ورأى المجرمون النار . . . ( 2 ) ، فكيف تناسب هذه التعبيرات كون جماعة عميا ؟ قال بعض المفسرين إن حال ذلك العالم تختلف عن حال هذا العالم ، فربما كان بعض الأفراد مبصرين في مشاهدة بعض الأمور ، وعميانا عن مشاهدة البعض الآخر ، وعلى ما ينقل العلامة الطبرسي عن بعض المفسرين : إنه أعمى عن جهات الخير لا يهتدى لشئ منها ، لأن نظام ذلك العالم يختلف عن نظام هذا العالم . ويحتمل أيضا أن يكون هؤلاء في بعض المنازل والمواقف عميا ، وفي بعضها مبصرين . ثم إن المراد من نسيان المجرمين في العالم الآخر ليس هو نسيان الله سبحانه لهم ، بل من الواضح أن المراد معاملة هؤلاء معاملة الناسي ، كما نستعمل ذلك في محاوراتنا اليومية ، فإذا لم يهتم شخص بآخر ، فإن الثاني يقول له : لماذا نسيتني ؟
--> 1 - الإسراء ، 14 . 2 - الكهف ، 53 .